رأيـنــا

العدد 24                                                                                                                                                             آذار / 2004

 

إن الانسحاب التكتيكي من قبل الأعضاء الشيعة الخمسة من جلسة المناقشات الأخيرة والمتعلقة بـ "قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت"، حيث كان من المفروض أن يتم التوقيع على القانون المذكور الذي وافق عليه كل أعضاء مجلس الحكم العراقي الانتقالي، فالاستعدادات كانت جارية على قدم وساق والأجواء شبه محضرة لمراسيم التوقيع، لكن تحفظ المرجع الشيعي السيد السيستاني على إحدى مواد القانون جعل

 

الإخوة الشيعة المتمثلين في مجلس الحكم بالامتناع عن التوقيع!..

سادت أجواء من الريبة والشك لدى المواطن العراقي بكل انتماءاته، إذ بدا وكأن عقارب الساعة على وشك التوقف والمسيرة النضالية التي أطاحت بالنظام الدكتاتوري البائد قد تعرضت إلى زعزعة الثقة حتى ضمن أعضاء مجلس الحكم الانتقالي.

   

لكن وبعد مرور بضعة أيام على الاتصالات الماراتونية فيما بين ممثلي الشيعة ومرجعيتهم الدينية، قد تمت الموافقة على استكمال مسيرة الأمن والسلم والتغيير نحو عراق ديمقراطي تعددي حر، واجتمع أعضاء "مجلس الحكم العراقي الانتقالي" ووقعوا على قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت وسط حشد من الوسائل الإعلامية المحلية والغربية التي قامت بتغطية ذلك الحدث التاريخي، ليس في العراق وإنما في المنطقة ككل.

 

لكن ما لفت نظر المراقبين والمحللين ومتتبعي الأمور والتطورات في العراق، هو سبب رفض ومن ثم قبول الطرف المعارض على إحدى مواد القانون التي أدت إلى تأجيل التوقيع عليه (والتي لسنا في صدد التعليق عليها الآن).. حيث لم يتم إجراء أي تعديل لتلك المادة أو غيرها وبالرغم من كل ذلك تمت الموافقة عليه (أي القانون) من قبل الجميع...

لكن ما أدهش العراقيين بشكل خاص، هو ما ورد على لسان المرجعيات الشيعية وممثليهم عن تحفظهم على القانون الذي لم يجف الحبر عليه بعد، وكأن مصير الشعب العراقي ومستقبله وتاريخه هو رهن إشارة مرجعية من هنا أو أخرى من هناك، مع كامل احترامنا وتقديرنا لكافة المرجعيات الدينية العراقية الإسلامية والمسيحية وغيرها..

 

إن ما جرى ولا يزال يجري في الوطن من تشنجات أو تجاذبات من هذا الطرف أو ذاك، سيؤدي إلى زعزعة الثقة بين أبناء الوطن الواحد وبالتالي إلى تعثر المسيرة التي ناضل الجميع من أجل تحقيقها نحو بناء عراق ديمقراطي حر تتمتع كافة قومياته بحقوقها السياسية والإدارية والثقافية والاجتماعية.. وأن لا يشعر أي فريق أو طرف بالغبن والتهميش. فعراق الغـد، لن يكون فقط لفريق دون آخر أو حتى لمجموعة على حساب أخرى.

يجب أن يشعر المواطن العراقي بالأمن والأمان والطمأنينة في بلده، من خلال خلق أجواء الديمقراطية وحرية إبداء الرأي والمعتقد وأن لا تكون المواقف إرتجالية أو ما شابه، وإنما أن تشارك وتساهم كل الأطراف والمؤسسات السياسية والدينية وعلى مستوى الأفراد في صنع عراق المستقبل، وأن لا تقتصر عملية النقض أو التحفظ على مراجع دينية دون سواها بحجة الأكثرية أو الأقلية.