التـنـديد بالإرهاب .. ولكن ! ..

                                                                                                 

 

العدد الرابع ( تشرين الثاني/2001 )

 

إن ما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من شهر أيلول الماضي لم يكن إلا تتمة للحلقات الإرهابية – الأصولية – التي حصلت ولا تزال تحصل وتحصـد جراء ذلك العديد من أبناء  الأقليات أو القوميات الصغيرة التي تعيش في بحكم التاريخ والجغرافيا في تلك المناطق ، ولا تلبث هذه الأعمال اللاإنسانية  تحاول إعادة البشرية إلى العصر الحجري ، ومن ثم تأخذ المنحى الديني لتتمكن تلك المنظمات الإرهابية من اللعب بعواطف بعض الناس لينساقوا في هذا الفلك المظلم القاتم والذي في نهاية المطاف لا يخدم أحد .

فمنذ عشرات السنين كانت تلك الشعوب الصغيرة (الأقليات) ونتيجة للمعانات اليومية التي كانت تتعرض لها دون رادع أو وازع ، كانت أمريكا والغرب معها لا تعير أي اهتمام لذلك مخافة أن تمس مصالحها بانتكاسات،

 

واليوم وبعد أن تمكن هؤلاء المغامرون ( المجازفون ) من إيصال ضربتهم الهمجية تلك إلى قلب الديمقراطية والإنسانية والحرية والعدالة ، نرى أمريكا والغرب معها يتحرك وعلى كافة الأصعدة ، وإن التحرك هذا الذي جاء متأخرا ليس إلا بادرة خير ودفاع عن القيم الإنسانية دون استثناء ، وما يدعو إلى الأسف هو أن نرى  بعض الزعامات في المنطقة العربية أو الشارع الإسلامي، تتعاطف مع ذاك المنطق الإرهابي الذي أودى بحياة الآلاف من المدنيين الأبرياء ، وذلك بحجة الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ، فتارة تدعو تلك الأنظمة لعقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب وتارة أخرى بعدم وجود الأدلة الثابتة لإدانة هذا أو ذاك ، وهذا الموقف اللامسؤول والمتخاذل ، ليس في الحقيقة دفاعا عن هؤلاء المغامرين بقدر ما هو دفاعا عن مصالحهم الذاتية ومراكزهم السلطوية التي حصلوا عليها بشنق الديمقراطية في بلدانهم تحت شعارات التنديد بالاستعمار والإمبريالية .. وبارتكاب أبشع المجازر بحق مواطنيهم على مذبح الحرية وحقوق الإنسان  ….

 

فهل حقا هؤلاء الحكام الذين نراهم اليوم يتباكون على الديمقراطية من الديمقراطيين ، يسلكون هذا الاتجاه دفاعا عن الإرهاب في أفغانستان وغيرها ، أم مخافة فضح أمرهم الذي لم يعد خافيا على أحـد ؟!..

 

إن الحرب التي نشهدها اليوم ضد الإرهاب العالمي ، ليست ولا بأي شكل من الأشـكال حرب حضارات أو ما شابه ذلك كما يتصورها البعض أو كما يريد هذا البعض أن يصفها ، وإنما هي حرب الخير على الشر  ، ويجب أن تكون هذه الحرب ومهما طال أمدها ، حاسمة لخير البشرية جمعاء ومن غير الجائز أن تبقى  بعض الأبواق تتردد من وقت لآخر شعارات غير موجودة إلا في مخيلتهم فقط .

 

 إن الذي يدين أو يستنكر أي عمل بربري ، لا يعقل أن يبحث عن المبررات أو غير ذلك ، وإلا فما معنى تلك الإدانة ، وما نشهده ونعيشه اليوم يجب أن يدان من قبل الجميع ، من دون ولكن .. لأنه مهما حاول هؤلاء المبررون أو هؤلاء الذين يبحثون عن الأعذار ويتسترون خلف الدين ، فإن الأمور باتت واضحة للجميع وما عليهم إلا العودة إلى الذات والضمير وطلب التوبة فلعلهم بذلك يريحون ضمائرهم ، هذا على الصعيد الشخصي  وأما على الصعيد الديني والوطني والقومي ، فإنهم مهما فعلوا ، فمحاولاتهم ستكون في مهب الريح لأنهم براء من كل ذلك إلا من الأعمال الشريرة .

 

إن ما صدر مؤخرا عن المؤتمر الإسلامي ( الدول العربية ) ، من موقف واضح يندد بتلك الجماعات التي جعلت من أفغانستان إمارة لها وأوكلت نفسها وصية على الدين الإسلامي والناطق الرسمي باسمهم ، هذا الموقف يستحق كل التقدير والاحـترام ، وكونه جاء متأخرا ، فهذا لا يعني بأنه لم يتمكن من وضع النقاط على الحروف وإغلاق الأبواب أمام بعض الطفيليين الذين لا يعيشون إلا على تناقضات الغير، فلقـد جاء هذا البيان ليحسـم الجدل القائم بين تلك الجماعات الإرهابية التي تتستر وراء الدين من جهة وبين بعض المتعاطفين أو الذين كان التناغم جليا بينهم ، وكان واضحا بقوله : "بأن هذه الحرب ليست حربا دينية ، وتلك الجماعات لا يحق لها التكلم باسم المسلمين " .