الأقليات المسيحية إلى أين ؟!..

                                                      

هذا السؤال الذي كان يراود البعض ومنذ مدة طويلة لم يكن صدفة عابرة أو فكرة دخيلـة وإنما  نتيجة للتطورات والمستجدات التي كانت تعصف ببعض الدول ذات الأنظمـة البوليسـية، لم يكن لهذا البعض الحرية الكاملة في الكشف أو الاستفسار عن كل ما كان ولا يزال يراوده من قلق عميق عن مصير يبحث عنـه في زوايـا النسـيان أو التاريخ الذي تم تزويره ، وذلك مخافة من أن يرجم أو يجلد أو يتهم هذا البعض بالعمالة والانعزال والتقوقع وإلى آخر الاسطوانة التي شـبع منها القاصي والداني.

 

اليوم بالذات وفي باكستان تحديدا، دفع المسيحيون المسالمون فاتورة ممزوجة بدمائهم الطاهرة الذكية دون أن يكون لذلك أي سـبب منطقي أو أخلاقي أو إنسـاني، سـوى أنهم خلقوا مسـيحيين حملوا صليبهم على أكتافهم ومشـوا الجلجلـة مبشرين بالمحبة والتسامح والغفران، سـلاحهم الوحيـد كان فعـل إيمانهم القـوي بتعاليم سيدنا ومخلصنا يسـوع المسيح، ومن مبدأ من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الآخر...

 

 فكيف وبأي حق أو منطق وفي ظل سـلطة القانون يدفع البريء ثمن ما لم يرتكبه. علما أن هذه الحادثة الشنيعة وكما ورد في كافة الوسائل الإعلامية لم تكن الأولى وإنما السادسـة. بالإضافة إلى أن السلطات الباكستانية وعلى أثر التحقيقات الجارية مع بعض الموقوفين ( وبناء على تلك الإفادات) تبين أن المسيحيين هناك مهددين بالتصفيات سـواء كانوا أفرادا أم جماعات أم مؤسـسـات لكن لم تكن الإجراءات المتخذة كافية لمنع وقوع هكذا أعمال إجرامية. ولو كان أي حـدث مماثل وفي أية بقعة من العالم قـد وقع أو حصل لأقلية إسـلامية لا سمح الله، لكانت أغلبية الدول العربية، حكومات ومؤسسات وجماعات وأفراد، قـد دانت ذلـك واعتبرته تهديدا ومساسا بأمنها القـومي والاسـتراتيجي، وهـذا من حقها دون شـك ومن حق كل إنسـان يؤمن بحرية اعتناق الفكر والعقيدة والدين والمساواة وليس بفرض كل ذلك فرضا، فمن جهتنا نعلن بأننا ضـد أيـة أعمال انتقامية أو ثأرية ومن أية جهـة أتت تجعل البريء يدفع ثمن أخطاء ليس فقـط لم يرتكبها وإنما يجهلها تماما، فكل الديانات السماوية تحرم القتل وسفك الدماء، فكيف إذا وباسـم الدين يحاول البعض ارتكاب الفظـائع والجرائم والويلات ؟!..

 

إن التعدي على الحريات والممتلكات وأرواح الغير، أينما كان ولأية أسباب كانت، لا مبرر لـه على الإطلاق، وما لغة الحوار والتسامح إلا عنوانا كبيرا للشعوب المتحضرة والمتمدنة، وأمـا أن تأتي هذه الأعمال المنبوذة تحت شـعارات دينـية، أقل ما يقال فيها محاولة البعض بإعادة الزمن ويا للأسـف إلى العصر الحجري "حيث الانتقام والثأر والعين بالعين قمـة المدنيـة والحضارة والديمقراطية والعدالة والمسـاواة"، وهنـا نـســأل، لمصلحـة من تـزرع هـذه الـبـذور العـدائيـة التي لـم ولـن ترحم أحـد ؟!.. وأمـا مـا ينجم عن ذلك من مخاطر وويلات ومآسي، سـوف لن ينعكس فقـط على تلك الحفنـة المتعطشة للدماء والدمـار والتهجير والتشـتت وإنما على المنطقـة بأكملها.

 

إننا نبـدي قلقنـا الشـديد لمـا جرى اليوم للأقليـة المسـيحية في باكسـتان، ولمـا جرى ويجري لباقي  القـوميات ( الأقليات ) في الشـرق الأوسـط وبعض دول آســيا، وذلـك لمـا لهـذه القـوميات من جـذور تاريخيـة عمرها آلاف السـنين. فمن الغرابـة أن يقبل العـقـل والمنطق بكل ما حصل وما قـد يحصل وأمام أعين السـلطات وأجهزتها السـاهرة ليل نهار. 

 

مكتب التوجيه والإعلام